احمد بن جودةالعلوي
02-Jul-2007, 02:38 AM
عوامل تغيُّر المرحلة الرابعة على طريق القوافل بين مكة والمدينة من وادي قديد إلى بلدة القضيمة خلال الفترة «579 - 1325هـ - 1184 - 1907م» اقتباس: درب الأنبياء، درب الحاج، طريق الحاج، الدرب السلطاني، الطريق السلطاني، كلها مسمّيات أُطلقت على طريق القوافل الذي يربط مكة المكرمة بالمدينة المنورة. وهو طريق موغل في القِدَم منذ العصر الجاهلي، فقد ذكرت كتب السيرة أن آمنة بنت وهب والدة الرسول - صلى الله عليه وسلم - توفيت ودُفنت في الأبواء(1) أحد مراحل هذا الطريق عند عودتها من المدينة المنورة. والمتتبع لمسار هذا الطريق على مر العصور، يجد أنّ الطريق يتغيّر مساره وتتبدّل مراحله بين فترة وأخرى، باندثار محطة وقيام محطة بديلة عنها. ومن ذلك المرحلة الرابعة - وادي قديد(2) - الواقعة بين المرحلة الثالثة خليص(3) والمرحلة الخامسة رابغ(4)، خلال الفترة الزمنية الممتدة بين رحلتيْ ابن جبير سنة 579هـ وإبراهيم باشا سنة 1325هـ. كان مسار الطريق بين خليص ورابغ يتوقّف في وادي قديد المرحلة الرابعة للراحة والتزوُّد بالمياه، وتعتبر ثنية لفت(5)، والتي ورد اسمها في بعض المصادر باسم: (عقبة السويق)، و(عقبة السكر)، و(ثنية خليص)، الواقعة بين خليص ووادي قديد من المسالك الوعرة والشاقة التي تواجه القوافل في هذه المرحلة من الطريق بين المرحلتين الثالثة والرابعة. وقد وصف الرحالة تلك العقبة بأنها عقبة في جبل صغير، كثيرة الرمل وليست بطويلة، ولكنها شاقة، تغطي الرمال جانبها المنحدر بكثافة، وتقوم على قمتها أنقاض قديمة لبناء كبير، وتحد الجدران الطريق من الجانبين لمنع تجمُّع الرمال بكثافة، وهي غاية في الصعوبة على الجمال والرجال، لا سيما من صعدها في زمن الحر، تدخل فيها أرجل الإبل والبهائم إلى الساق(6). استمرت هذه المراحل الثلاث، الثالثة والرابعة والخامسة من مسار الطريق (خليص - وادي قديد - رابغ) ردحاً من الزمن خلال الفترة الممتدة من سنة 579هـ إلى ما بعد سنة 1230هـ، وممن تحدّث عن هذه المراحل الثلاث - على سبيل المثال لا الحصر- كلٌّ من: ابن جبير سنة 579هـ، والسبتي سنة 684هـ، والعبدري سنة 689هـ، وابن بطوطة سنة 726هـ، والجزيري سنة 955هـ، والدرعي سنة 1196هـ، والورثيلاني سنة 1179هـ، والمكناسي سنة 1201هـ، وبيركهارت سنة 1230هـ(7). وخلال الفترة الزمنية الممتدة من بعد سنة 1230هـ وقبل سنة 1289هـ، نجد أنّ مسار الطريق تغيّر بين المرحلتين الثالثة والخامسة (خليص - رابغ) بعد اندثار مرحلة وادي قديد وقيام مرحلة بديلة عنها هي القضيمة(8) المرحلة الرابعة، ليصبح مسار الطريق (خليص - القضيمة - رابغ)، وممن ذكر مسار هذا الطريق: أيوب صبري باشا سنة 1289هـ، محمد صادق باشا سنة 1297هـ، وعبد العزيز دولتشين سنة 1315هـ، وإبراهيم باشا سنة 1325هـ (9). يرى الأستاذ عاتق بن غيث البلادي في كتاب: (على طريق الهجرة) أن تغيّر مسار الطريق إلى القضيمة بدلاً عن وادي قديد بعد أن سدّت الرياح ثنية لفت قبل خمسين عاماً (10). وذكر في كتاب: (قلب الحجاز) أن تغيُّر مسار الطريق كان في بداية العهد السعودي - الزاهر - سنة 1345هـ(11). وإن كنت أتفق مع الأستاذ عاتق البلادي بأنّ أحد أهم العوامل التي أدت إلى تغيُّر مسار الطريق هو انسداد عقبة لفت بفعل الرياح، غير أنني أختلف معه في تاريخ تغيُّر مسار الطريق، فقد ذكر هذه المراحل الثلاث (خليص - القضيمة - رابغ)، قبل هذا التاريخ عدد من الرحالة مثل: أيوب صبري باشا سنة 1289هـ، ومحمد صادق باشا سنة 1297هـ، ويغيم ريزفان سنة 1315هـ، وإبراهيم رفعت باشا سنة 1325هـ، وغيرهم. من المحتمل - والله سبحانه وتعالى أعلم - أنّ من العوامل التي ساهمت في تغيُّر مسار الطريق ما يلي: 1- وجود المياه وأماكن الراحة للقوافل في بلدة القضيمة، وقد وصف عدد من الرحالة بلدة القضيمة بأنّ بها ثلاث آبار، وسوق، وأكواخ لعابري السبيل، وهي وفيرة الأسماك ولقيت استراحتها رواجاً بين المسافرين(12). 2- وعورة تضاريس عقبة لفت بالنسبة للقوافل بين خليص ووادي قديد، وربما تسببت الرمال في انسداد العقبة. 3- ملاءمة التضاريس بين (خليص - القضيمة - رابغ) لسير القوافل، وقد وصف الرحالة الطريق بأنّه مناسب جداً للحركة ومعبَّد، لذلك كان السير فيها مريحاً(13). 4- تساوي المسافة بين خليص ورابغ عن طريق القضيمة، مع المسافة بين خليص ورابغ عن طريق وادي قديد. الهوامش والتعليقات الجانبية: (1) الأبواء: وادٍ كبير من أودية الحجاز يُعرف اليوم باسم (الخريبة) يتكوّن من التقاء واديي القاحة والفرع عند بئر ابن مبيريك. (عاتق بن غيث البلادي: معجم معالم الحجاز، ط1، دار مكة للنشر والتوزيع، سنوات الطباعة مختلفة، ج1، ص ص 36-38). والأبواء تقع شمال شرق محافظة رابغ بنحو سبعين كيلاً. (2) وادي قديد: وادٍ فحل من أودية الحجاز، خصيب كثير العيون والمزارع، فيه 25 عيناً اندثر بعضها، يبلغ طوله قرابة مائة وخمسين كيلاً، يسمّى قسمه العلوي ستارة، وقسمه السفلي قديد، وتقع قديد على نحو مائة وثلاثين كيلاً شمال مكة المكرمة. (البلادي: مصدر سابق، ج7 ص ص 96-99). (3) خليص: وادٍ وبلدةٌ، كثير الماء والزرع، يقع شمال مكة على 100 كيل، فيه ثلاثون قرية. (البلادي: مصدر سابق، ج3، ص ص 149-153). (4) رابغ: بلدة حجازية ساحلية بين جدة وينبع، على بعد 155 كيلاً من جدة شمالاً، و 195 كيلاً من ينبع جنوباً. (البلادي: مصدر سابق، ج4، ص ص 5- 8). (5) لفت: تُعرف اليوم باسم: (الفيت) ثنية تأتي خليصاً من الشمال. (البلادي: مصدر سابق، ج7 ص ص 259-260). (6) انظر: الأستاذ الدكتور إبراهيم أحمد سعيد: الحجاز في نظر الأندلسيين والمغاربة في العصور الوسطى، الأوائل للنشر والتوزيع، دمشق، ط1، ص 136؛ ابن بطوطة (محمد بن عبد الله اللواتي الطنجي): رحلة ابن بطوطة (تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار)، المكتبة التجارية الكبرى، مصر، د. ط، 1383هـ - 1964م، ص 87؛ عبد القادر بن محمد بن عبد القادر بن محمد الأنصاري: الدرر الفرائد المنظمة في أخبار الحاج وطريق مكة المعظمة، أعدّه للنشر حمد الجاسر، دار اليمامة للبحث والنشر والترجمة، ط1 1403هـ - 1983م، ج2، ص 1458؛ الشيخ الحسين بن محمد الورثيلاني: الرحلة الورثيلانية (نزهة الأنظار في فضل علم التاريخ والأخبار)، دار الكتاب العربي، بيروت، ط2، 1394هـ - 1974م، ص 360؛ محمد بن عبد الوهاب المكناسي: رحلة المكناسي إحراز المعلى والرقيب في حج بيت الله الحرام وزيارة القدس الشريف والخليل والتبرك بقبر الحبيب، حققها وقدم بها محمد بو كبوط، دار السويدي للنشر والتوزيع، أبو ظبي، ط1، 2003، ص 263؛ جون لويس بيركهارت: رحلات إلى شبة الجزيرة العربية، ترجمة هتاف عبد الله، الانتشار العربي، بيروت، ط1، 2005م، ص 249. (7) أبي الحسين محمد بن أحمد بن جبير الكناني الأندلسي البلنسي: رحلة ابن جبير (تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار)، تقديم محمد مصطفى زيادة، د. ط، د. ن، ص ص 137-178؛ أبي عبد الله محمد بن عمر بن رشيد الفهري السبتي: ملء العيبة بما جمع بطول الغيبة في الوجهة الوجيهة إلى الحرمين مكة وطيبة، تحقيق الشيخ الدكتور محمد الحبيب ابن الخوجة، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط1، 1408هـ - 1988م، ص ص 74-80؛ سعيد: مصدر سابق، ص ص 134-136؛ ابن بطوطة: مصدر سابق، ص ص 87-79؛ الجزيري: مصدر سابق، ج2، ص ص 1457-1458؛ حمد الجاسر: ملخص رحلتيْ ابن عبد السلام الدرعي، دار الرفاعي، ط2، 1403هـ - 1983م، ص ص 145-146؛ الورثيلاني: مصدر سابق، ص ص 357-360؛ المكناسي: مصدر سابق، ص 263؛ بيركهارت: مصدر سابق، ص ص 248-251. (8) القضيمة: بلدة عامرة على الساحل شمال ثول بسبعة أكيال، أهلها من السادة الحسينيين، يمر بها الطريق من جدة إلى المدينة، ويصب عليها وادي قديد، بها مدارس وأمارة تابعة لرابغ. (البلادي: مصدر سابق، ج7، ص 141). (9) انظر: أيوب صبري باشا: مرآة جزيرة العرب، ترجمة وتعليق د. أحمد فؤاد متولي ود. الصفصافي أحمد دسوقي، دار الآفاق العربية، القاهرة، ط1، 1419هـ - 1999م، ص 161؛ محمد صادق باشا: الرحلات الحجازية، إعداد وتحرير محمد همام فكري، بدر للنشر والتوزيع، بيروت، ط1، 1999م، ص 121؛ يغيم ريزفان: الحج قبل مئة سنة (الرحلة السرية للضابط الروسي عبد العزيز ودلشتين إلى مكة المكرمة 1898-1899)، دار التقريب بين المذاهب الإسلامية، بيروت، ط1، 1413هـ - 1993م، ص 131؛ إبراهيم رفعت باشا: مرآة الحرمين، د. د، د. م، د. ط، د. ت، ج2، ص ص 201-202. (10) أي في حدود سنة 1348هـ اعتماداً على تاريخ المؤلف في المقدمة سنة 1398هـ. البلادي: على طريق الهجرة، د. ط، دار مكة للنشر والتوزيع، مكة المكرمة، د. ت، ص 37. (11) البلادي: قلب الحجاز، ط1، دار مكة للنشر والتوزيع، مكة المكرمة، 1405هـ - 1985م، ص 65. (12) انظر: صبري باشا: مرجع سابق، ص 161؛ يغيم ريزفان: مرجع سابق، ص 130؛ إبراهيم باشا: مرجع سابق، ص 202. (13) انظر: صبري باشا: مرجع سابق، ص 161؛ يغيم ريزفان: مرجع سابق، ص 131؛ إبراهيم باشا: مرجع سابق، ص 202. محمد بن حميد الجحدلي الحربي للتواصل مع الكاتب ص. ب: (226829) الرياض: (11324) maljahdali@hotmail.com المصدر : جريدة الجزيرة الأحد 16 جمادىالآخرة 1428 العدد 12694 الرابط منقول ونحن هنا نشيد بالجهد الذي يبذلة الاخ العزيز محمد بن حميد الجحدلي الحربي بهذا المقال ونود أن نشير أن هذا الطريق لايبعد عن ثول (الدعيجية) إلى عدة كيلو مترات شكرا لكاتب المقال